عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
83
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
يكمل نقصان القبيح جماله * إذا لاح فيه فهو للقبح رافع ويرفع مقدار الوضيع جلاله * فما ثم نقصان ولا ثم واضع ولما كان العلم لازما للحياة كما سبق كانت الحياة أيضا لازمة للعلم لاستحالة وجود عالم لا حياة له ، وكل منهما لازم ملزوم ، وإذ قد عرفت هذا فقل ما ثم لازم ولا ملزوم بالنظر إلى استقلال كل صفة للّه في نفسها وإلا لزم أن يكون بعض صفات اللّه مركبا من صفة غيرها أو من مجموع صفاته ، وليس هو كذلك تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فتقول مثلا : صفة الخالقية غير مركبة من القدرة والإرادة والكلام ، ولو كان المخلوق لا يوجد إلا بهذه الصفات الثلاث ، بل الصفة الخالقية صفة للّه تعالى واحدة ، فهذه مستقلة غير مركبة من غيرها ولا ملزومة ولا لازمة لسواها ، وكذلك باقي الصفات فليتأمل . وإذ صح هذا في حق الحق فهو في حق الخلق أيضا كذلك ، لأنه سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته فلا بد أن يكون الإنسان نسخة من كل صفة من صفات الرحمن فيوجد في الإنسان ، كل ما ينسب إلى الرحمن ، حتى أنك تحكم للمحال بالوجوب بواسطة الإنسان ، ألا تراك إذا فرضت مثلا كما تفرض للمحال أن ثمة حيا لا علم له أو عالما لا حياة له كان ذلك الحيّ الذي لا علم له أو العالم الذي لا حياة له موجودا في عالم فرضك وخيالك ومخلوقا لربك ، إذ الخيال بما فيه مخلوق للّه تعالى ، فوجد في العالم بواسطة الإنسان ما كان متخيله في غيره . واعلم أن المحسوس فرع لعالم الخيال إذ هو ملكوته ، فما وجد في الملكوت لا بد أن يظهر في الملك منه بقدر القوابل والوقت والحال ما يكون نسخة لذلك الموجود في الملكوت ، وتحت هذه الكلمات من الأسرار الإلهية ما لا يمكن شرحه فلا تهملها فإنها مفاتيح للغيب الذي إن صحّ بيدك فتحت بها أقفال الوجود جميعه أعلاه وأسفله ، وسيأتي الكلام على عالم الملكوت في محله من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . فقل في العلم والحياة وغيرهما من الصفات إن شئت بالتلازم ، وإن شئت بعدمه ، وتوسع في الجناب الإلهي القائل على لسان نبيه : « إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ » « 1 » . وقال رحمه اللّه تعالى في معنى ذلك : عجب لبحر هاج في زخراته * متلاطم الأمواج في طفحاته
--> ( 1 ) آية ( 56 ) سورة العنكبوت .